❗️sadawilaya❗
رسول حسين ابو السبح
في عالمٍ تتكاثر فيه أشكال الهيمنة وتتبدّل فيه أدوات الاستعباد، تبقى الحرية القيمة الإنسانية الأسمى التي تنشدها الشعوب وترتفع من أجلها التضحيات، غير أنّ الحرية الحقيقية ليست تلك التي تُرفع شعاراً للاستهلاك الإعلامي أو تُسوّق تحت عناوين براقة، بل هي الموقف الذي يرفض الخضوع للباطل، ويأبى الانحناء للطغيان مهما بلغت التضحيات.
ومن هنا، فإنّ التاريخ الإنساني حين يبحث عن أعظم تجلّيات الحرية لا بد أن يتوقف عند كربلاء، حيث وقف الإمام الحسين عليه السلام ليقدّم تعريفاً خالداً للإنسان الحر، لم يخرج طالب سلطة، ولم يحمل سيفه طمعاً بحكم، بل خرج دفاعاً عن كرامة الإنسان وحقّه في رفض الذل والانقياد للظالمين، ولهذا لم تكن عاشوراء معركة عسكرية محدودة بزمانها، بل تحولت إلى مدرسة عالمية للحرية والكرامة.
لقد أدرك الحسين عليه السلام أنّ أخطر ما يمكن أن يُبتلى به الإنسان ليس القيد الذي يغلّ يديه، بل القيد الذي يستعبد إرادته ويصادر وعيه، لذلك دوّى صوته عبر القرون قائلاً، «ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة»، ومنذ تلك اللحظة لم يعد الحسين رمزاً للمسلمين فحسب، بل أصبح رمزاً لكل إنسان يرفض أن يكون عبداً للطغيان.
واليوم، وبعد أكثر من أربعة عشر قرناً على واقعة الطف، ما زالت معركة الحرية مستمرة وإن اختلفت أدواتها، فالاستكبار العالمي لم يعد يعتمد الجيوش وحدها لفرض هيمنته، بل لجأ إلى وسائل أكثر نعومة وخطورة، يفرض ثقافته، ويوجه الرأي العام، ويتحكم بالاقتصاد، ويصنع الأزمات، ثم يمنح الشعوب أوهام الحرية فيما يقودها نحو التبعية والارتهان.
إنها عبودية مغلّفة بشعارات براقة، تُرفع فيها رايات حقوق الإنسان بينما تُنتهك حقوق الشعوب المستضعفة، وتُصدّر مفاهيم الحرية بينما تُفرض العقوبات والحصارات على كل من يرفض الخضوع لإرادة القوى الكبرى، إنها محاولة لإنتاج إنسان يظن نفسه حراً بينما تتحكم بقراراته مراكز النفوذ العالمية.
وفي مواجهة هذا النموذج من الاستعباد الحديث، برزت تجارب شعوب اختارت طريق الكرامة رغم التحديات، ولعلّ من أبرز الأمثلة المعاصرة الشعب الإيراني الذي واجه على مدى عقود ضغوطاً سياسية واقتصادية وأمنية هائلة، لكنه تمسّك بخيار الاستقلال ورفض أن يكون تابعاً لإملاءات الخارج، قد تختلف المواقف السياسية في تقييم التجربة الإيرانية، لكن الثابت أنّ هذا الشعب قدّم نموذجاً في رفض الإذعان والخضوع، مفضلاً تحمّل التكاليف على التنازل عن قراره الوطني.
وهذا هو جوهر الرسالة الحسينية، فالحسين عليه السلام لم يعلّم الناس كيف ينتصرون عسكرياً فحسب، بل علّمهم كيف يحافظون على إنسانيتهم حين يُطلب منهم أن يبيعوا كرامتهم مقابل الأمن أو الراحة أو المصالح الآنية. لقد أراد أن يبقى الإنسان سيد نفسه، لا عبداً لشهوة، ولا أسيراً لخوف، ولا تابعاً لطاغية.
وفي ذكرى شهادته، لا نستحضر الحسين عليه السلام بوصفه حدثاً تاريخياً فحسب، بل باعتباره مشروعاً دائماً للتحرر، فكل أمة ترفض الذل، وكل شعب يتمسك بسيادته، وكل إنسان يدافع عن كرامته، إنما يستلهم بوعي أو من دون وعي شيئاً من ذلك النور الذي أضاءته كربلاء.
ولهذا يمكن القول بكل يقين، إن كان للحريّة ربٌّ في وجدان الأحرار، فربُّها الحسين عليه السلام، لأنه علّم البشرية أنّ الإنسان قد يُقتل، لكنه لا يُهزم ما دام متمسكاً بالحق، وأنّ الدم المنتصر للكرامة أبقى أثراً من سيوف الطغاة جميعاً.